Home » اسلامیات » وباء كورونا بين إغلاق المدينة ونقاء البيئة في الهند
اسلامیات المتفرقات

وباء كورونا بين إغلاق المدينة ونقاء البيئة في الهند

حسان أنور

في حين تعاني معظم بلدان العالم بما فيها الدول المتقدمة والنامية الواقعة في قارة أوروبا وآسيا وإفريقيا وأميركيين الشمالية والجنوبية من تفشي جائحة كورونا المؤذية والمهلكة كانتشار النار في الهشيم والتي لا تغادر صغارا ولا كبارا إلا تحيطهم بالموت المؤلم في الليل والنهار والتي دفعت العالم كله إلى مواجهة أنواع من التحديات الحاسمة والمشاكل الصعبة والظروف القاسية غير المسبوقة على المستوى العالمي مثل التباعد الاجتماعي والإغلاق الكلي أو الجزئي في القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والدينية والترفيهية والسياسية والثقافية وغيرها عن طريق فرض حظر التجوال وإيقاف خدمات وسائل النقل وإخلاء الكنائس والمساجد عن الرهبان والمصلين وتعليق جلسات الجمعيات التشريعية مركزية كانت أو إقليمية وتجريد المحلات التجارية والدكاكين عن الزبائن والمستهلكين وتعطيل الجامعات التعليمية والمؤسسات التربوية عن الطلاب والمدرسين وتعرية الملاعب والمسارح من الحضور واللاعبين والممثلين بشكل مفاجئ ومؤقت، يتزامن معه أهالي الهند انتهاز فرصة نادرة لرؤية السماء الزرقاء وسباحة الأدخاس في شواطئ الأنهار وتغريد الطيور والتنفس في الهواء النقي والتمتع بالجو الصافي في مدنها الكبيرة مثل دلهي وممبئي وبونا وكولكاتا وحيدر آباد وغازي آباد وغيرها التي لا يزال یصیبها التلوث البيئي الكثيف طوال السنة. ومما تجدر ملاحظته أن منطقة العاصمة الوطنية الوحيدة المحتوية على مدينة دلهي ونوئيدا وكوروكرام وفريد آباد، التي تشعر بالاختناق من أجل التلوث الجوي وبالانزعاج من أجل التلوث الصوتي على مدار السنة إلا أياما معدودة، تتحسن مستويات الهواء النقي في الوقت الراهن بسبب إيقاف أنشطة البناء والصناعة والنقل. وذلك عقب ما أدلى رئيس الوزراء الهندي نريندرا مودي بتصريح منشور عبر وسائل الإعلام التلفزيونية والمطبوعية والإذاعية ومواقع التواصل الاجتماعي حث فيه المواطنين الهنود على متابعة الإغلاق الكلي وإيقاف كافة النشاطات الخارجية بجانب العناية الخاصة بالتعقيم والتنظيف على أسلوب التكرار والتبقي في المنازل لمدة حوالي شهرين كخطوات وقائية واحترازية لتصدي كورونا بدءا من 23 مارس وانتهاء إلى 17 مايو. وهذا الجو النقي لا يقتصر على العاصمة الوطنية ونواحيها فحسب بل يتعدى إلى أقصى شمال البلاد وغربها. وقد مكن انخفاض التلوث البيئي في أندر الأحيان من مشاهدة جبال هماليا الواقعة في محافظة هماتشال براديش من مدينة جالندهر بولاية بنجاب الهندية، ومن انجلاء رأس جبل إيفرست الكائن في بلد نيبال من أرياف ولاية بيهار، وكذلك صفاء مياه الأنهار الكبيرة مثل غنغا وجمنا اللتين تجريان عبر عشرات المدن الصغيرة والكبيرة الواقعة في غاية شمال الهند وشرقها وغربها ووسطها بشكل مفاجئ. ومن الحقيقة المرة أن الإغلاق الكلي أو الجزئي النابع من وباء كورونا يتأكد من خسائر أزمة عالمية لا تقدر في سائر قطاعات كما تستغرق لأي بلد مدة كثيرة للعودة إلى ما كان له من سعادة ورخاء وازدهار إلا أن الهند تغتنم به في إعادة انعكاس الطبيعة في مظاهرها كالزرق في السماء والخضر في المنتزهات والصفاء في المياه والنقاء في الفضاء والنظافة في الشواطئ والطهارة في الشوارع أكثر مما تخص به الحكومة من ميزانية هائلة لمعالجة التلوث البيئي الكثيف. وهذا يثير إعجابا منفردا من نوعه بين الشعب الهندي الذي يحظى بمشاهدة هذا المنظر الطبيعي البهيج من أعينهم لأول مرة منذ فترة طويلة تتزايد على عقود.

لا يخفى على أحد أن إحراق الفلاحين أكداس نفايات المزارع ومهملاتها خلال شهر تشرين الأول والثاني (أكتوبر ونوفمبر) بخاصة يغطي الفضاء بالضباب الكثيف ويغشي أشعة الشمس، مما يزيد الجو أكثر تلويثا وجرضا. ومما يقلق أكثر أن الجو النقي الذي قضى على التلوث البيئي والذي يتمتع به أهالي المدن الكبيرة الأكثر تلوثا في الهند إبان الإغلاق الكلي النابع من جائحة كورونا أوشكوا ينسون هذه النعمة الممتعة. وهذا يدعو أهالي تلك المناطق التي تظل تتعرض للتلوث الجوي الكثيف على مدار السنة ليجذبوا انتباهاتهم إلى اتخاذ قرار حاسم لمعالجة هذه القضية الخطيرة. ولا شك فيه أن التعرض الشديد للتلوث البيئي لمدة طويلة يسبب كثيرا منا للإصابة بصورة تدريجية بتدهور النظام التنفسي والرئوي الذي قد يمهدهم يعانون من جوائح مهلكة مثل كورونا. ولا يختلف فيه اثنان أن الرزق لا يهمنا إلا قدر ما تهمنا الحياة، لأن المعيشة ليست لها أهمية ولا حاجة بدون الحياة. ومن الأكيد أن الأوضاع الراهنة الصعبة الناتجة من تفشي هذا الفيروس المهلك والتي تصيب مشارق الأرض ومغاربها سوف تنتهي بالانعدام عاجلا أم آجلا بإذن ربها، ومهما كانت خسائرها في مختلف القطاعات. وبالتالي، سوف تستأنف كافة أنواع من النشاطات الإنسانية وتعود الظروف حيث ما كانت من قبل إثر ما تخفف أو ترفع الحكومات قيود الإغلاق الكلي أو الجزئي لتجنب تفاقم الأزمة الاقتصادية التي قد تسفر عن تقليص الوظائف أو إلغائها إلى حد كبير في شتى القطاعات في جميع أنحاء العالم. ولا يبالغ إذا قيل إن فيروس كورونا لقد هيأنا لنتعهد بالعناية بالصحة العامة بطريق أفضل وأشمل بغض النظر عن أي نوع من التمييز العنصري أو الثقافي أو الفكري. والآن في وقت تتمتع فيه مدن البلد العديدة بالنجاة من خطورة التلوث البيئي وكدرة مياه الأنهار بفضل تعليق أنشطة التشييد والمصانع بصفة مؤقتة، ينبغي للحكومة أن تتخذ خطوات راسخة لبدأ السير الاقتصادي من جديد بالإضافة إلى الحفاظ على الجو النقي بأسلوب ذكي عندما أعيد فتح تلك الفعاليات.

حسان أنور باحث في الجامعة الملية الإسلامية

Add Comment

Click here to post a comment

Facebook Page

SuperWebTricks Loading...